النويري
328
نهاية الأرب في فنون الأدب
دونه إلى أصحابه ، ولأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ، ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم ، ما هذا لكم برأي ، فانظروا في غيره ، فتشاوروا ، ثم قال قائل منهم : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا ، فإذا خرج عنا فو اللَّه [ ما « 1 » ] نبالى أين ذهب ، ولا حيث وقع ، إذا غاب عنا وفرغنا منه ، أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت . قال الشيخ النجدىّ : لا واللَّه ما هذا لكم برأي ، ألم تروا حسن حديثه ، وحلاوة منطقه ، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ، واللَّه لئن فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حىّ من العرب ، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ، ثم ليسير بهم إليكم حتى يطأكم فيأخذ أمركم من أيديكم ، ثم يفعل بكم ما أراد ؛ دبّروا فيه رأيا غير هذا . فقال أبو جهل بن هشام : إنّ لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد ، قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فتيا ، ثم نعطى كلّ فتى منهم سيفا صارما ، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه ، فنستريح منه ؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا ، [ فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا « 2 » ] ، فرضوا منا بالعقل ، فعقلناه لهم . فقال النجدىّ : القول ما قال الرجل ؛ هذا الرأي لا أرى « 3 » غيره . وحكى أن هذا الرأي كان رأى الشيخ النجدىّ ، وأنه لما أشار به قالوا : كلَّهم : صدق النجدىّ ، صدق النجدىّ ! واللَّه أعلم . قال : فتفرّق القوم وقد أجمعوا على ذلك . فأتى جبريل إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأخبره بالخبر ، وقال له : لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه ، قال : فلما كانت عتمة
--> « 1 » من ابن هشام . « 2 » عن ابن هشام . « 3 » ابن هشام : « لا رأى غيره » .